فصل: قال الفخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقال بعض مفسري الزيدية- ثمرة الآية أحكام:
الأول- وجوب الإعراض عن مجالس المستهزئين بآيات الله أو بحججه أو برسله، وأن لا يقعد معهم، لأن في القعود إظهار عدم الكراهة، وذلك لأن التكليف عامّ لنا، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يجب الإعراض، وترك الجلوس معهم، إذا لم يطمع في قبولهم، فإذا انقطع طمعه إذًا، فلا فائدة في دعائهم. ويجب القيام عن مجالسهم إذا عرف أن قيامه يكون سببًا في ترك الخوض، وأنهم إنما يفعلونه مغايظة للواقف، إذ كان وقوفه يوهم عدم الكراهة.
الحكم الثاني- جواز مجالسة الكفار، مع عدم الخوض، لأنه إنما أمرنا بالإعراض مع الخوض. وأيضًا فقد قال تعالى: {حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}. قال الحاكم: والآية تدل أيضًا على المنع من مجالسة الظلمة والفسقة، إذا أظهروا المنكرات، وتدل على إباحة الدخول عليهم لغرض، كما يباح للتذكير. وفي الآية أيضًا دلالة على وجوب الإنكار، لأن الإعراض إنكار. قال: وتدل على أن التقية من الأنبياء والأئمة بإظهارهم المنكر لا تجوز، خلاف الإمامية، وتدل على جواز النسيان على الأنبياء.
الحكم الثالث- أن الناسي مرفوع عنه الحرَج، فإن قيل: النسيان فعل الله، فِلمَ أضيف إلى الشيطان؟ أجيب: بأن السبب من الشيطان، وهو الوسوسة والإعراض عن الذكر، فأضيف إليك لذلك. كما أن من ألقى غيره في النار فمات، يقال، إنه القاتل، وإن كان الإحراق فعل الله، واختلف في النسيان ما هو؟ فقال الحاكم: هو معنى يحدثه الله في القلب. وقال أبو هاشم وأصحابه: ليس بمعنى، وإنما هو زوال العلم الضروريّ الذي جرت العادة بحصوله. انتهى. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}.
وبهذا القول يوضح الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: اعلم أن ما جئت به سيخاض فيه، ويقال مرة إنه سحر، ومرة إنه شعر، وثالثة إنه كهانة، ورابعة يتهمونك بالكذب، ولا يقول ذلك إلا المنتفعون بفساد الكون، فإذا ما جاء مصلح فسيجعلونه عدوًا لهم. لذلك لابد أن تحافظ على أمرين.. الأمر الأول: أن الذين اتبعوك- وهم ضعاف- قد لا يستطيعون مواجهة القوة الظالمة؛ لذلك لا تحملهم ما لا طاقة لهم به ولكن تَرَيَّثْ؛ فإن لكل نبأ مستقرًا، والأمر الثاني: أَنك إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم وبيِّن لهم الجفوة فلا تقبل عليهم، ولا توادهم، ولا تستمع إليهم، ولا يسمع إليهم أصحابك، لماذا؟ لأنهم يخوضون في آيات الله. ولكن أيستمر هذا الإعراض عنهم طوال الوقت؟، لا، فالإعراض عنهم إنما يكون في أثناء خوضهم وتكذيبهم لآيات الله، أما في غير ذلك من الأوقات فاعلم أن آذانهم في حاجة إلى سماع صيحة من الحق، لذلك انتهز به؛ لأنك إن تركتهم على ضلالهم فإن قضية الإيمان تصير بعيدة عنهم، وأنت مهمتك البلاغ، والله يريد الخير لكل خلقه.
{وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68].
وكلمة الخوض هذه تشعرنا بمعنى في منتهى الدقة؛ لأن الخوض في أصله هو الدخول في الماء الكثير. والماء الكثير ساتر لما تحت قدمي الذي يخوض فيه، وما دام قد ستر ما تحت قدميه فهو لا يدري إلى أي موقع تقع قدماه، وربما وقعتا في هوّة، لكن الذي يسير في غير ماء فالطريق واضح أمامه، يضع قدميه حيث يرى فيها ثباتًا واستقرارًا وعدم إيذاء. وأخذوا من ذلك المعنى وصف الكلام بالباطل، لأنه خوض بدون اهتداء. ولذلك يقول الحق: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91].
ولماذا وصف فعلهم هذا بأنه لعب؟
ذلك لأن اللعب هو شغل النفس بشيء غير مطلوب وكان في قالب الجد. ولكن إذا كان هذا الشيء يؤدي إلى نبوغ في مجال من مجالات الحياة فنحن ندرب أبناءنا عليه في فترة ما قبل البلوغ. ومثال ذلك تدريب الأبناء على السباحة والرماية. وركوب الخيل. وما إن يبلغ الإنسان فترة البلوغ حتى تصير له مهمة في الحياة، ويصبح عليه أن يتحمل المسئولية، فلا يضيع وقته في اللعب أو فيما يلهيه عن أداء الواجب.
{وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68].
والنفس البشرية لها أغيار. وهذه الأغيار قد تنسيها بعض التوجهات. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم موعود من ربه بعدم النسيان. {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6].
فإذا كان هذا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف نفهم قول الحق هنا: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين} [الأنعام: 68].
إننا نفهم هذا القول على أساس أنه تعليم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وحينما ينزل أمر من السماء فرسول الله أولى الناس بتطبيقه، فإذا كان الرسول يُخاطَب: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان} فإذا ما نسي إنسان لغفلة من الغفلات، فليأخذ علاج الله للنسيان، وهو ألا يقعد مع هؤلاء القوم الذين يخوضون في آيات الله في أثناء خوضهم، ولكن عليه أن يتركهم ويعرض عنهم. إذن فالحق سبحانه وتعالى احترم خلقه؛ لأنه وهو العليم بهم، خلق لكل إنسان ملكة حافظة، وملكة ذاكرة، وملكة مخيلة، وكل ملكة من هذه الملكات تؤدي مهمة: فالملكة الحافظة تحفظ المعلومات، والذاكرة تأتي بالمعلومات المحفوظة القديمة لتجعلها في بؤرة الشعور. ولو لم يكن هناك نسيان لما استطاعت فكرة أن تدخل في ذهن الإنسان؛ لأن العقل لا ينشغل إلا بقضية واحدة في بؤرة الشعور. وحتى تدخل قضية أخرى في بؤرة الشعور، لابد أن تتزحزح القضية الأولى من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور.
لذلك لابد من نسيان خاطر ما ليحل محله خاطر آخر. ولو ظل الإنسان ذاكرًا لقضية من القضايا في نفسه لصار من المحال أن تدخل قضية جديدة أخرى. ولهذا خلق الله النسيان، أي انتقال قضية ما من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور.
والإنسان منا يتذكر شيئًا حدث من عشرين عامًا، ثم يمر هذا الحادث بالخاطر فجأة، ويتساءل الإنسان، كيف؟ ويعرف الإنسان أن هذا الحادث كان محفوظًا ومصونًا في دوائر شعورية بعيدة. ولذلك نجد الإنسان عندما يريد استعادة معنى من المعاني فهو يترك لنفسه فرصة لاستعادة هذا الخاطر أو ذلك المعنى، ولذلك يسمون هذه المسألة تذكر.
{وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين} [الأنعام: 68].
ولماذا ينسب الحق النسيان للشيطان؟، لأن حقائق الحق في دينه هي الصدق، ولا يصح أن تغيب أبدًا عن بال المؤمن، وهي لا تغيب عن بال المؤمن إلا بعمل الشيطان فالشيطان يزين الأمر الذي يحبه الإنسان ويشغله عن أمر آخر، فإذا ما نزغ الشيطان لينسى الإنسان، وتذكر الإنسان أن هذا من نزغ الشيطان فليستعذ بالله من الشيطان ولا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين.
وأنت حين تفعل ذلك وتنفر من هؤلاء القوم الظالمين فأنت تلفتهم إلى أن ما عندك من يقين إيماني هو أعز عندك مما في مجالسهم من حديث وما يكون لديهم من نفع. وبذلك تنتفع أنت بهذه التذكرة وهم أيضًا يلتفتون إلى أهمية الإيمان وأفضليته عند المؤمن على ما عداه.
وما كان الحق سبحانه وتعالى ليفرض على المؤمنين مقاطعة المشركين في أثناء فترة ضعف المؤمنين في بداية الدعوة. وكان المؤمنون يلتقون في المسجد الحرام، وكان المشركون يذهبون أيضًا إلى الكعبة قبل فتح مكة، فهي مكان حجيجهم، فهل يقاطع المسلمون المسجد الحرام في بداية الدعوة الإسلامية ولا يلتقون؟ قطعًا لا. ولكن كان المسلمون يذهبون للقاء في المسجد الحرام، وإذا جاء الذين يخوضون في آيات الله فهم يعرضون عنهم. ووزر الخائضين على أنفسهم. ولذلك يقول الحق: {وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
والخَوْضُ في اللغة عبارة عن المُفاوضةِ على وجه اللَّعبِ والعبثِ.
قال تعالى حكاية عن الكفار: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الُخَائِضِين} [المدثر: 45] وإذا قال الرجل: تركت القوم يَخُوضُونَ أفاد أنهم شَرَعثوا في كَلِمَاتٍ لا ينبغي ذِكُرُهَا.
قوله: {إذَا} منصوب بجوابها، وهو {فأعْرَضْ}؛ أي: فأعرض عنهم في هذا الوَقْتِ و{رأيت} هنا تحتمل أن تكون البصريَّة، وهو الظاهر، ولذلك تعدّت لواحد.
قال أبو حيَّان: ولابُدَّ من تقدير حالٍ مَحْذُوفَةٍ، أي: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا، وهو خائضون فيها، أي: وإذا رأيتهم مُلْتَبِسينَ بالخَوْضِ فيها. انتهى.
قال شهاب الدِّين: ولا حَاجَةَ إلى ذلك؛ لأن قوله: {يَخُوضُونَ} مُضارع، والراجح حَاليَّتُهُ وأيضًا فإن {الذينَ يَخُوضُونَ} في قُوَّةِ الخائضين، واسم الفاعل حَقيقَةٌ في الحال بلا خلاف، فيحمل هذا على حقيقته، فيُسْتَغْنَى عن حذف هذه الحال التي قدَّرها وهي حال مؤكدة.
ويحتمل أن تكون علمية، وضعَّفَةُ أبو حيان بأنه يَلْزَمُ منه حذف المفعول الثاني، وحذفه إما اقْتَصَارٌ، وإما اختِصَارٌ، فإن كان الأوَّل: فممنوع اتفاقًا وإن كان الثاني: فالصحيح المَنْعُ حتى منع ذلك بعض النحويين.
قوله: {غَيْرِهِ} الهاء فيها وجهان:
أحدهما: أنها تعود على الآياتِ، وعاد مفردًا مذكرًا؛ لأن الآيات في معنى الحديثِ والقرآن.
وقيل: إنها تعود على الخَوْضِ، أي: المدلول عليه بالفِعْلِ كقوله: [الوافر]
إذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إلَيْهِ ** وخَالَفَ والسَّفِيهُ إلى خلافِ

أي: جرى إلى السَّفَهِ، دَلَّ عليه الصِّفَةُ كما دَلَّ الفعل على مصدره؛ أي: حتى يخوضوا في حديث غير الخَوْضِ.
وقوله: {وإمَّا يُنْسِيَنَّكَ} قراءة العامّة {يُنْسِيَنَّكَ} بتخفيف السِّين من أنْسَاهُ كقوله: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ} [الكهف: 63] قال تعالى في الآية الأولى: {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ} [يوسف: 42].
وقرأ ابن عامر: بتشديدها من نسَّاهُ، والتعدِّي جاء في هذا الفعل بالهمزة مرة، وبالتضعيف أخرى، كما تقدم في أنْجَى ونَجَّى وأمْهَل ومَهَّلَ. والمفعول الثاني محذوف في القراءتين؛ تقديره: وإما يُنْسِيَنَّك الشَّيْطانُ الذِّكرَ أو الحقَّ.
والأحسن أن يقدر ما يليق بالمعنى، أي: وإما نيسينك الشيطان ما أمرت به من ترك مُجَالَسَةِ الخائضين بعد تذكيرك، فلا تقعدْ بعد ذلك معهم، وإنما أبرزهم ظاهرين تسجيلًا عليهم بصفة الظُّلْم، وجاء الشرط الأول ب إذا؛ لأن خَوْضَهُمْ في الآيات مُحَقَّقٌ، وفي الشرط الثاني ب إن إنْسَاءَ الشيطان له لي أمرًا مُحَقَّقًا، بل قد يقع وقد لا يقعن وهو مَعْصُومٌ منه.
ولم يجئ مصدر على فِعْلَى غير {ذِكْرَى}.
وقال ابن عطيَّة: وإمَّا شرطن ويلزمها في الأغلب النون الثقيلة، وقد لا تلزم كقوله: [البسيط]
إمَّا يُصِبْكَ عَدُوُّ في مُنَاوَأةِ

وهذا الذي ذكره من لُزُوم التوكيد هو مذهب الزَّجَّاجِ، والنَّاسُ على خلافه، وأنشدوا ما أنشده ابن عيطة وأبياتًا أُخَرَ منها: [الرجز]
إمَّا تَرَيْنِي اليَوْمَ أمَّ حَمْزِ

وقد تقدَّم طرفٌ من هذه المسألة أوَّل البقرة، إلا أن أحدًا لم يَقُلْ: يلزم توكيده بالثقيلة دون الخفيفة، وغن كان ظاهر كلام ابن عطية ذلك. اهـ.

.تفسير الآية رقم (69):

قوله تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كانت هذه الآية مكية، وكانوا إذ ذاك عاجزين عن الإنكار بغير القلب، قال: {وما على الذين يتقون} أي يخافون الله فلا يكذبون بآياته في مجالسة الكفرة {من حسابهم} أي الخائضين إذا كانوا أقوى منهم {من شيء} وما نهينا عن المجالسة لأن عليهم فيها- والحالة هذه- إثمًا {ولكن} نهينا لتكون المفارقة إظهارًا للكراهة {ذكرى} للخائضين لاستحيائهم من أذى الجليس {لعلهم يتقون} أي ليكون حالهم بذلك حال من يرجى منه التقوى، فيجتنب الخوض في الآيات إكرامًا للجليس. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

قال ابن عباس: قال المسلمون لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت، فنزلت هذه الآية وحصلت الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا معهم ويذكرونهم ويفهمونهم.
قال ومعنى الآية: {وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ} الشرك والكبائر والفواحش {مِنْ حِسَابِهِم} من آثامهم {مّن شيء ولكن ذكرى} قال الزجاج: قوله: {ذِكْرَى} يجوز أن يكون في موضع رفع، وأن يكون في موضع نصب.
أما كونه في موضع رفع فمن وجهين: الأول: ولكن عليكم ذكرى أي أن تذكروهم وجائز أن يكون ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى، فعلى الوجه الأولى الذكرى بمعنى التذكير، وعلى الوجه الثاني الذكرى تكون بمعنى الذكر وأما كونه في موضع النصب، فالتقدير ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون.
والمعنى لعل ذلك الذكرى يمنعهم من الخوض في ذلك الفضول. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء}.
في سبب نزولها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المسلمين قالوا: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن، وخاضوا فيه، فمنعناهم، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، ولا أن نطوف بالبيت، فنزلت هذه الآية.
والثاني: أن المسلمين قالوا: إنا نخاف الإثم إن لم ننههم عن الخوض، فنزلت هذه الآية.
والثالث: أن المسلمين قالوا: لو قمنا عنهم إذا خاضوا فانا نخشى الإثم في مجالستهم، فنزلت هذه الآية.
هذا عن مقاتل، والأولان عن ابن عباس.
قوله تعالى: {وما على الذين يتقون} فيه قولان:
أحدهما: يتقون الشرك.
والثاني: يتقون الخوض.
قوله تعالى: {من حسابهم} يعني: حساب الخائضين.
وفي {حسابهم} قولان:
أحدهما: أنه كفرهم وآثامهم.
والثاني: عقوبة خوضهم.
قوله تعالى: {ولكن ذكرى} أي: ولكن عليكم أن تذكروهم.
وفيما تذكرونهم به قولان:
أحدهما: المواعظ.
والثاني: قيامكم عنهم.
قال مقاتل: إذا قمتم عنهم، منعهم من الخوض الحياء منكم، والرغبة في مجالستكم.
قوله تعالى: {لعلهم يتقون} فيه قولان:
أحدهما: يتقون الاستهزاء.
والثاني: يتقون الوعيد.
فصل:
وقد ذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة، لأنها اقتضت جواز مجالسة الخائضين والاقتصار على تذكيرهم، ثم نسخت بقوله: {وقد نَزَّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفَر بها ويُستهزَأ بها فلا تقعدوا معهم} [النساء: 140] والصحيح أنها محكمة، لأنها خبر، وإنما دلت على أن كل عبد يختص بحساب نفسه، ولا يلزمه حساب غيره. اهـ.